محمد علي الحسن

141

المنار في علوم القرآن

وإضافة إلى ما ذكر تفيد الزمان والمكان الذي نزلت فيه الآية ، فتميز المكي من المدني ، وتفصل الدعوى في الناسخ والمنسوخ حين يعرف المتقدم من المتأخر ، وإلى جانب هذا كله ، فإنها تعطي صورة واضحة عن مراحل الدعوة الإسلامية ، في سيرها ومعالجتها للأحداث بوسائل مكافئة في كل حالة من الحالات ، وهذه فائدة لا تعدلها فائدة لمن تأمل فيها في رسم السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية ، عبر مراحلها الزمنية في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . نعم إن علم الأسباب في النزول يبين الفهم الصحيح للآية ، ولا يزول الإشكال إلّا بذكره ، وقد توافقت كتب علوم القرآن قديما وحديثا على ذكر هذه الأمثلة لتبين أن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ويضبطنا من الوقوع في الزلل . من ذلك ما ورد في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ] . فإننا لو تركنا لظاهر الآية لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة لا سفرا ولا حضرا ، وهو خلاف الإجماع ، ولكن بمعرفة سبب نزولها يتبين لنا أن هذا المفهوم خاطئ ، فقد روي في سبب نزولها أن القبلة عميت على قوم فصلّوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا تبين خطؤهم ، فعذرهم اللّه بها ، فالآية ترفع الحرج عمن صلّى باجتهاده إلى جهة ما يظنها القبلة ، فبان له الخطأ بعد ذلك ، وكأن اللّه سبحانه يقول : لا حرج فالجهات كلها للّه ، وحيثما توجهتم فثم وجه اللّه « 1 » . ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . . [ البقرة : 158 ] . فقد فهم عروة بن الزبير رضي اللّه عنه ، أن الآية نزلت لبيان عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة ، فإن عبارة « لا جناح في كذا » لا يستعمل في الدلالة على وجوب الصلاة والزكاة . مثلا « لا جناح في أداء الصلوات الخمس أو في إخراج الزكاة ، وإنما تصلح هذه العبارة للتعبير عن الإباحة لأن هذا المعنى هو مدلولها اللغوي » :

--> ( 1 ) الترمذي 4 / 273 ، ونيل الأوطار 2 / 75 .